محمد أبو زهرة

1741

زهرة التفاسير

ينهى عنه هو من الله تعالى ، كما قال تعالى : إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ( 4 ) [ النجم ] . ويجرنا الكلام في هذا إلى الكلام في اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم : هل طاعته واجبة فيه بإذن من الله ، وبعبارة أخرى : أهو لا يخطئ فتجب الطاعة ، ويكون ما ينتهى إليه في الاجتهاد هو كالموحى به ؟ والجواب عن ذلك أنه يجوز الخطأ على النبي صلى الله عليه وسلم في الاجتهاد في بيان بعض الأحكام ، ويجوز الخطأ عليه في القضاء إذا لبس الخصوم . والخطأ الأول قد وقع فقد اجتهد مع أصحابه في معاملة الأسرى ، وخطأهم الله في اجتهادهم في ذلك الموضع « 1 » . وقد فرض عليه الصلاة والسلام جواز الخطأ في القضاء ، فقد قال عليه الصلاة والسلام : « إنكم تختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من البعض الآخر ، فمن قضيت له بحق أخيه ، فإنما أقتطع له قطعة من النار » « 2 » . ولكن الخطأ في الأحكام لا يمكن أن يقره الله تعالى عليه ، بل يبينه ، لسلامة النقل عن الله تعالى ، وليكون كل ما يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم حقا ، وليتحقق معنى قوله عليه الصلاة والسلام : « ما أمرتكم به فخذوه ، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه » « 3 » . وكذلك لا يجتهد النبي صلى الله عليه وسلم في قضائه

--> ( 1 ) أومأ إمامنا إلى قوله تعالى : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( الأنفال : 67 ) . قال القرطبي : هذه الآية نزلت يوم بدر ، عتابا من الله عزّ وجل لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم . والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب ، ولا أراد قط عرض الدنيا ، وإنما فعله جمهور مباشرى الحرب ؛ فالتوبيخ والعتاب إنما كان متوجها بسبب من أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ الفدية . ( 2 ) متفق عليه ؛ رواه البخاري : الشهادات - من أقام البينة بعد اليمين ( 2680 ) ، ومسلم : الأقضية - الحكم الظاهر واللحن بالحجة ( 1713 ) . ( 3 ) رواه ابن ماجة : المقدمة - اتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ( 1 ) ولفظه : عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما أمرتكم به فخذوه وما نهيتكم عنه فانتهوا » . وهو في الصحيحين ؛ ( 1337 ) البخاري : الاعتصام بالكتاب والسنة ( 7288 ) ، ومسلم في الفضائل : ولفظه عند البخاري : عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « دعوني ما تركتكم ؛ إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم » .